ابن خلدون

346

تاريخ ابن خلدون

كان الأمير أبو عبد الله مخصوصا من أبيه من بين ولده بالإثرة والعناية قد صرف إليه اقباله وأوقع عليه محبته لما كان يتوسم في شواهده من الترشيح وما تحلى به من خلال الملك وكان الناس يعرفون له حق ذلك وذلك أن ابن عمر كان مستبدا بالثغور الغربية بجاية وقسنطينة ومدافعا عنها العدو من زناتة المطالبين لها فلما هلك ابن عمر سنة تسع عشرة كما قدمناه صرف السلطان نظره إلى ثغوره فعقد على بجاية لابنه الأمير أبى زكريا وعقد على حجابته لابن القالون وسرحه معه لمدافعة العدو وعقد على قسنطينة للأمير أبى عبد الله ومعه أحمد بن ياسين وخرجوا جميعا من تونس سنة عشرين ونزل كل بعمله وقدم ظافر الكبير من الغرب فولاه السلطان حجابة ابنه بقسنطينة وأنزله بها إلى أن هلك سنة سبع وعشرين على تيمرزدكت كما ذكرناه فجاء لحجابته من تونس أبو القاسم بن عبد العزيز الكاتب فأقام أربعين يوما ثم رجع إلى الحضرة وأضاف السلطان حجابة قسنطينة لابن سيد الناس إلى حجابة بجاية وبعث إليها نائبا عنه مولاه هلالا النازع إليه عن موسى بن علي قائد بنى عبد الواد فقام بخدمة الأمير أبى عبد الله إلى أن كانت نكبة ابن سيد الناس عندما بلغ الأمير أبا عبد الله اثره وجرى في طلق استبداده ففوض له في عمله السلطان وأطلق من عنانه وكان يؤامره في شأنه ويناجيه في خلوته وأنزل معه بقسنطينة نبيلا من المعلوجين يقيم له رسم الحجابة ثم استدعى ظافر السنان من تونس سنة أربع وثلاثين لقيادة الأعبية والحرب فقدم لذلك وأقام سنة ونصفها ثم رجع وقام نبيل لحجابته كما كان ودفع يعيش بن من صنائع الدولة لقيادة العساكر وحماية الأوطان فقاسمه لذلك مراسم الخدمة ورتب الدولة واستمرت حال الأمير أبى عبد الله على ذلك والأيام تزيده ظهورا ومساعيه الملوكية تكسبه جلالا وترشيحا إلى أن أسقط دون غايته واغتاله الاجل عن مداه فهلك رضوان الله عليه آخر سبع وثلاثين وقام بأمره من بعده كبير بنيه الأمير أبو زيد عبد الرحمن فعقد له السلطان أبو بكر على عمل أبيه لنظر نبيل مولاهم لمكان صغره واستمرت حالهم على ذلك إلى آخر الدولة وكان من أمره ما نذكر بعد والله تعالى أعلم { الخبر عن شأن العرب ومهلك حمزة ثم اجلاب بنيه على الحضرة وانهزامهم ومقتل معزوز بن همر وما قارن ذلك من الاحداث لما ملك السلطان أبو الحسن تلمسان وأعمالها وقطع دابر آل زيان واجتث أصلهم وجمع كلمة زناتة على طاعته واستتبعهم عصابة تحت لوائه ودانت القبائل بالانقياد له ورجفت القلوب لرعبه ووفد عليه حمزة بن عمر يرغبه في ممالك إفريقية ويستحثه